postheadericon الشعر العربي في السودان

تحت طائلة النصوص

الشعر العربي في السودان

بدايات النصف الثاني من القرن العشرين

Georgy Kurasov  2

د. أحمد عكاشة أحمد فضل


 

 

 

 

حينما كان توفيق صالح جبريل يعيش السنوات التي سبقت انتقاله إلى رحمة مولاه (إذ توفي في عام 1966) وكذلك حينما كان الأجل المحتوم يدنو من الشاعر السوداني الهام أحمد محمد صالح (المتوفى 1973) كانت هنالك الشهرة الأدبية الواسعة التي أسسها شعراء كانوا شباباً ونالوا تعليماً غربياً عالياً ونالوا مراتب علمية راقية، ومن أهم هؤلاء صلاح أحمد إبراهيم (1933 1993) ومحمد عبد الحي (1944 1989)، وتكمن أهميتها في ضخامة المعرفة الشعرية المعاصرة لكل واحد منهما وارتقاء فكر شعر كل واحد منهما.
وقبل اتساع حظوظ والأهمية الأدبية لكل من صلاح أحمد إبراهيم ود. محمد عبد الحي كانت هنالك جهود د. أحمد الطيب أحمد عبد السلام والتي أثمرت شعراً راقياً ومعاصراً وترجمات للأدب الإنكليزي وللشعر الدرامي الإنكليزي والتعريف بمشكلات الأدب والنقد في بريطانيا المعاصرة. وكان هنالك وجود النظم الشعري في شأن النضال الوطني والكفاح العمالي لمحمد عبد الرحمن شيبون. وادخل عناصر واقعية الوجود الإنساني والرومانسية في الشعر الإنكليزي في الأدب السوداني. أما شيبون فإنه نقل الشعر السياسي السوداني (شعر الوطنية السودانية والنضال ضد الاستعمار) نقله إلى شعراً يعني بالكفاح العمالي والواقعية الاشتراكية (ما يماثل شعر السوقيات وشعر ناظم حكمت أوبابلو نيرودا). وأضحى الكثير من الشعر السوداني طوال ما يلي من عهود إلى ما قبل نهايات القرن العشرين خاضعاً للأيدولوجية وغير معني بالتطورات التي طرأت فيما سبق أو فيما بعد على الشعر الإنساني (وشملت هذه التطورات 'العصرانية' ما سمي بالحداثة) وما بعد العصرانية والشكلانية poet formalism ...الخ.
لقد جمعت الصداقة وتماثل الفكر (القناعة بالواقعية الاشتراكية) جمعت بين صلاح أحمد إبراهيم ومحمد عبد الرحمن شيبون وظل صلاح أحمد إبراهيم وفياً لذكرى وكفاح وأدب شيبون على النحو الذي تضمنته مقدمة الديوان الشعري المسمى (غضبة الهباباي).
وعلى الرغم من أن محمد عبد الحي برز في الساحة الشعرية على نحو متأخر بعض الشيء (بضع سنوات فقط) لقي قبولاً واسعاً الزعم بأنهما شاعران مجيدان وبعيدا الأثر ثقافياً وجمالياً ؛ وقد علا قدر شعر كل واحد منهما منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي. كذلك عد اسلوب أو نهج كل واحد منهما في نظم الشعر، عد التعبير الصادق والبعيد في الشعر السوداني آنذاك.
لقد كان صلاح أحمد إبراهيم ناظماً يفضل أن تكون الألفاظ قوية وفعالة وحوت أشعاره أفكاراً قطعية وقوية forcible thoughts، وقد تواردت هذه المفردات والافكار القوية في ايقاع عذب وأخاذ. ويمكن فهم هذا من الوقوف لا على ماذا يفكر صلاح فيه بل كيف يفكر الشاعر. وكذلك كانت المفردات والافكار القوية تفضح المشاعر الدفينة للشاعر بما فيها قناعاته الأيدلوجية.
*أما محمد عبد الحي فقد تميز شعره بغرابة طوعية a sort of oddities فيما يتعلق بسبل النظم. وكانت لدى الشاعر مقدرة واضحة على تحريك الروابط فيما بين الأشعار على نحو يجعل هذه الروابط فيما بين الأشعار على نحو يجعل هذه الروابط تتحول إلى تناسق ورشاقة وكياسة تميز كل قصيدة أو أنشودة أو حتى المقاطع من اشعاره. وكذلك أشعاره بـ Subtle thought الأفكار الرفيعة والمصقولة بالصور الشعرية المشرقة vivid imagery وكانت أكثر الصور الشعرية التي أوردها مفعمة بالحيوية. وكذلك تميزت أشعاره بسمو أغراضها وقوة مشاعرها.
حقاً كانت لكل من صلاح أحمد إبراهيم ومحمد عبد الحي أهميته الفائقة كشاعر وكمثقف حينما يناقش التجربة الشعرية في الربع الثالث من القرن العشرين.
وتعود أهمية جهد وشعر كل واحد منهما إلى إدراكهما حقيقة وجود ثقافات سودانية أخرى (غير العرا إسلامية السائدة) وإدراك كل واحد منهما على طريقته لحقيقة تركيب (أو تعقيد) الإنتماءات الثقافية في السودان. وبالطبع لم يصل هذا الإدراك إلى الوعي بحقيقة وجود فسحات ثقافية culture area هي منطلق التجاذب في الثقافة السودانية. كان لصلاح أحمد إبراهيم الوعي بثقافات البجة أو الدينكا. وكان لمحمد عبد الحي الإدراك بأهمية سنار. وهي أهم الدول التقليدية السابقة لعهد الاستعمار.
وأدت التجربتان الشعريتان لصلاح أحمد إبراهيم ومحمد عبد الحي إلى ما يلي:-
*أضحت إعادة تشكيل أو تحديد مفهوم الهويات والقيم الثقافية ومن ثم تبادلها بين الشعراء ومحبي الشعر، أضحت هذه اتجاهات أو هموماً أدبية مقبولة.
*ومنذ الستينات من القرن الماضي الهم الشعر المهموم بالهويات أجيالاً من الشعراء السودانيين. وقبل ذلك كان تاريخ وجماليات وفكر الشعر السوداني في النصف الأول من القرن العشرين تؤكد أن الشعر السوداني في البداية مال إلى قيم إنسانية شاملة وخاطب مختلف أطياف السودانيين. إلا انه مثله مثل سائر أوجه الفكر والثقافة في السودان وقع أسيراً للتجاذب سياسياً وفكرياً وثقافياً للعرف والهويات وصراعاتها.
*دلت التجربة الشعرية السودانية الحالية أن الشعراء يميلون إلى بناء علاقة بينهم وبين عشاق الشعر وكذلك مع السودانيين عامة من خلال التطرق إلى الوطنية أو إلى الهويات الثقافية. كذلك تبين كيف أن الشعراء قد يحتفون بـ (في بعض الأحيان يستغلون مشكلات الاختلاف الثقافي في البلاد).
وكان شعر محمد عبد الحي هو أول من كشف وجود ديناميكية مبنية على الإنتماء (أو على الأصالة أو على عدم توفرها) في قلب الثقافة السودانية إبان عهود ما بعد الاستعمار.
وليس التوتر النابع من صراع الانتماءات وحده هو التوتر في أشعار صلاح أحمد إبراهيم إذ:
*كان هنالك شقفه بزيادة معرفة السودانيين بالآداب العالمية وبارتباطاتهم بافريقيا وفكرها وثقافتها ومشكلات تحديث مجتمعاتها وثقافاتها بما في ذلك آدابها.
*كان هنالك ميله الدائم إلى الارتقاء بأساليب الشعر وبيانه إلى جانب التخيلات واللغة المجازية.
*كان هنالك صراعه الدائم مع المحتوى المثالي لشعره احتواء ذاك الشعر على مصطلحات أو صيغ مثالية. وكذلك حار صلاح أحمد إبراهيم مع ضرورات تناول أو التخفيف من تناول المشكلات السياسية والاجتماعية في أشعاره وفي عموم أدبه.
ولم يقتصر الأمر على صلاح أحمد إبراهيم أو عمر كذلك شعر محمد عبد الحي بالتوترات نابعة من الخلط بين ما هو عام (شأن الثقافة والشعر السوداني بمجمله) وما هو إنتمائي من الآداب والثقافة السودانية، الخلط بين الأجزاء والثقافات السودانية (والتي لم يكن لتعرف على نحو دقيق في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، ويتجلى ذلك في الإشارة إلى غابة وصحراء) وخلق الخلط هواجس ضمت إلى الأفكار وجعلت جميعاً تحتل مواقع في حلبات الصراع الذي تمثل في جعل النصوص الشعرية تحول إلى مساحات جدال أوعراك، وكذلك انعكس التوتر في صراع لساني معقد مع النص الشعري.
إلا أن للتوتر داخل الشعر في حالتي الشاعرين وجه إيجابي إذ أنه كشف جهد كل واحد منهما وأسفر عن تعاقب فز للجناس وتناغم الأصوات وتوافق الانغام وهذا ما أضفى الإشراق على شعر كل واحد من الشاعرين وكذلك امتازت أشعارهما بالحوارات واستخدام لغة الحياة اليومية وإشراك متلقي الشعر في تلك الحوارات.
في حالتي صلاح أحمد إبراهيم ومحمد عبد الحي هدف الحوار في اشعارهما إلى الكشف عن:
-عدم ركون كل واحد منهما لخياله الشاعري ولفضح شقاء العقل المتوقد لكل واحد منهما.
-وهدف الوصف والتصوير في أشعارهما إلى توضيح أفكار ودوافع كل واحد منهما. وكانت أفكارهما عميقة.
-كان ما يعرف بـ setting description (زمان ومكان ومحتوى المشاهد الموصوفة أو تلك المشار إليها في الاشعار إلى جانب موسيقى الشعر) كان عبارة عن جهد لكل شاعر على حده لترك أثر عاطفي أو دمج العاطفة في الإطار الشعري.
هذه هي أهم ملامح التجربتين الشعريتين لصلاح أحمد إبراهيم ومحمد عبد الحي التي قد تطرقنا إليها في عجالة لكل حياة وجهد وشعر كل واحد منهما وقد تثمر أكثر في التعرف على طبيعة شعرهما وإسهامهما في التاريخ الأدبي للشعر السوداني المعاصر: وقبل أن نشرع في تناول شاعرية كل واحد منهما لابد من تناول الحقبة التاريخية للشعر السوداني المعاصر التي نشط خلالها الشاعران:-
في فترة الستينات من القرن العشرين نشر شعر صلاح أحمد إبراهيم في مجموعتين شعريتين 'غابة الأبنوس' وغضبة الهبباي وبدأ في الإشارة إلى شعر محمد عبد الحي 'العودة إلى سنار' منذ عام 1963م. وحقاً توجد الأسباب العديدة بتمجيد شاعرية كل من صلاح أحمد إبراهيم ومحمد عبد الحي وشمل ذلك:
-عمق الفكر.
-وضوح وقوة وحدة إدراكهما الحسي ونفاذ بصيرة كل واحد من الشاعرين وقدرته الفائقة على الفهم.
-اتسام أشعار كل واحد منهما بالتبصر وبالتفهم العاطفي.
-كانت مهمة كل واحد من الشاعرين تحتوي على أعباء فكرية وأدبية وأدى كل واحد منهما دور الشاعر المفكر أو المثقف الشاعر.
-في أداء كل واحد لمهام الشاعر المفكر حرص على تجويد نظمه ولغته وجمالياته وبلغ الجهد الفكري لكل واحد منهما بلغ درجة عالية في خدمة الثقافة والأدب.
-عمرت أشعار كل واحد من الشاعرين بالأفكار والصور الشعرية والأفكار الجاذبة للإنتباه والمثيرة للإعجاب.
- تميزت أشعار كل واحد منهما بالتدقف والطلاقة والتجويد.
-وكانت أبيات الكثير من قصائدهما تتميز بالرشاقة واحترافية النظم وتميزت كذلك بالسلالة والحرص على التجويد، واضحت كل خاصية ميزة دقيقة ولطيفة لمجمل اشعار كل واحد من الشاعرين.
هذه هي الخصائص المشتركة لشعر صلاح أحمد إبراهيم وشعر محمد عبد الحي وفيما عداها فقد كان لكل واحد منهما همه الفكري الخاص به وكانت لشاعرية كل واحد منهما توجهات مختلفة فيما يتعلق بأشكال وسبل النظم وجماليات وموضوعات الشعر.
في هذا الشق من المقال نبدأ بالمعالجة المنفصلة لجهد كل واحد من الشاعرين: ونبدأ بمحمد عبد الحي. فهو حمل أعلى درجة علمية (الدكتوراه في دراسة الآداب) ونالها من أعرق وأهم الجامعات الدولية: أوكسفورد : وفيما يتعلق بالمعرفة الشعرية لمحمد عبد الحي فقد أدرك التجارب الشعرية الإنسانية والشعر العربي المعاصر. وشملت دراسته الأكاديمية وأبحاثه:
-رسالة ماجستير ركزت على شعر الشاعر الاسكوتلندي Edwin Muir.
-ورسالة دكتوراه أعدت عام 1973م وركزت على اثر الرومانسية الامريكية والإنكليزية على الشعر العربي.
فيما يتعلق بالشاعر الاسكوتلندي Muir فهو من شعراء ما عرف بـ Modern Scottish Poetry 1946 وانضوى تحت هذا المسمى شعراء اسكوتلنديون جمعوا بين الصحافة الأدبية وتشكيل جماعات الشعراء الذي يجمع بينهم ذات الفكر وتشابهت أغلب آرائهم. ولعل عادة الشعراء الاسكوتلنديين المعاصرين في إنشاء روابط ثقافية هي التي حفزت محمد عبد الحي إلى إقامة رابطة للأدباء السودانيين بما فيهم الشعراء وعرفت تلك الرابطة بالغابة والصحراء وكانت الإشارة إلى الغابة والصحراء محاولة للتعرف إن امكن على شعر غير عربي ومعاصر مثل الأدب المكتوب باللغة العربية في السودان المعاصر. وكانت هذه إمكانية ضئيلة لأقصى الحدود في سودان السيتينات والسبعينات من القرن الماضي.
ولعل الفشل في العثور عن أدب معاصر غير عربي (أي أفريقي) حدث بالبحث في تراث وتاريخ السودان وأسهم شعر محمد عبد الحي في التركيز بالفونج ودولتهم وثقافة القرن السادس عشر، (العودة إلى سنار).
حملت مثل هذه الدعوة معاني واغراض شتى:-
-هي اعتراف أولي وفيه الكثير من التردد بوجود تعددية ثقافية في السودان (ما هو غير عربي كان الاعتقاد آنذاك).
-طرح ضرورة الاهتمام أيضاً بالآداب غير العربية.
-تجنب التعقيدات في الأوضاع الثقافية في السودان.
كان هنالك التجريد للواقع العرقي والثقافي وحتى الديني في سودان ما بعد الاستقلال إلى ان تبين لاحقاً عمق الاختلافات العرقية والثقافية والدينية بحيث بلغت حد التذويب القومي (انفصال الاجزاء السودانية)، يعود سبب احتدام هذه الفوارق إلى الفشل في إدراك حقيقة أن السودان ليس بدولة قومية بل كان اتحاد ثقافات وكان مثل هذا الإدراك المفترض (إذ أنه لم يكن يتجسد) أن يقود إلى تعايش مختلف الثقافات والأعراق والأجزاء والمعتقدات والتعاون في إطار نهضوي يرقى بكافة الثقافات.
وفي حالة محمد عبد الحي هنالك تعاونه الوثيق في إطار الغابة والصحراء مع النور عثمان أبكر .. هو ممثل أدب عربي في ما يمكن أن يعد هامشاً (دارفور أو السودان الشرقي والذي كان مملكة إسلامية رئيسية في القرن السادس عشر (مثلها مثل الفونج).
كانت العودة إلى سنار جزءاً من رومانسية شعرية جديدة لا تشبه الرومانسية الباكرة عند توفيق صالح جبريل أو رومانسية إدريس جماع والناصر قريب الله وهي رومانسيات شعرية سابقة وشاملة. أما في حالة محمد عبد الحي فإنها تشابهه neo romanticism (رومانسية محدثة) أو Post Romanticism (أي ما بعد الرومانسية). وهي من تأثير الرومانسية البريطانية والافريقية والرومانسية العربية (موضوع رسالة الدكتوراه)، والأشعار التي تناولت سنار غمرت بـ nostalgia لقيم وعادات سودان القرن السادس عشر وهي أشعار تميزت :
-بالإحساس النشط
-الحدس : البداهة
-الخيال
-جوانب من الفلسفة المثالية
ولم يحد أمر ما تلك الأشعار فقد اهتمت بالغرائب وبكل ما هو مجلوب exotic ، تطرقت للطبيعة في رد المنفعة كتجربة شخصية وكان فيها الاهتمام البالغ بالماضي التاريخي (تاريخ الفونج) . كان هنالك الإسلام الشعبي، الليل، الموت، الخرائب، الغياب والفلكولوريات. ولعل أن ما ميز neo romanticism (الرومانسية المحدثة) لمحمد عبد الحي هو إتجاهها الطوباوي.
كان محمد عبد الحي قد وقف على أثر الرومانسية الإنكليزية والأمريكية على الرومانسية العربية وكانت هنالك المعرفة من قبل جبران خليل جبران وعمر أبي ريشة وميخائيل نعيمة بشعرWhitman وكان تأثرهم بنظم وجماليات وفكر شعره عميقاً. وعبر محمد عبد الحي أضحت هذه المعرفة في خدمة الشعر السوداني، وقبل ذلك كانت مثل هذه المعرفة محدودة للغاية، وكذلك جلب محمد عبد الحي أهم ما ميز الرومانسية في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية : العاطفة والمثالية الزائدة والغنائية البسيطة.
عمرت اشعار العودة إلى سنار بالتدفق والمرونة التي عبرت بها الموضوعات التاريخية وآدابها الشفاهية وموسيقاها الفلكلورية. وقد احتل الماضي التاريخ (ماضي مملكة الفونج) الموقع الرئيسي في الأشعار السرية (اقصوصية عبد الحي شعراً). وشكلت أشعاره هذه معرفة بماضي السودان وتقاليده فاضحى لها بجانب قيمتها الثقافية والجمالية، لها قيمة تعليمية.
وعلى شيء من التحديد فإن 'العودة إلى سنار' احتوت على مقاطع سردية وافترضت وجود قدر من المعرفة لدى عشاق الشعر السودانيين، المعرفة بتاريخ الفونج وبسودان القرن السادس عشر وتشكل هذه المعرفة المفترضة أسباب تفهم ضرورة العودة إلى سنار. وكانت كافة الإشارات الضمنية التي قام بها عبد الحي كانت هادفة إلى شحذ أقوى العواطف إزاء ذاك الماضي السوداني.
وكما كان محمد عبد الحي شاعراً سودانياً من الاهمية بمكان فقد كان إدارياً للشأن الثقافي الوطني، ولا يمكن إلا يتم التطرق إلى هذا الجانب الهام من حياة وجهد وفكر ذاك الشاعر.
-يدل الجهد الذي بذله الشاعر في إدارة مصلحة الثقافة على أنه كان يؤمن بضرورة حماية وتطوير المعاصر والموروث من الثقافة السودانية على قدر متساو، كذلك سعى إلى تشجيع وترقية الخلق والإبداع الأدبي والفني والثقافي وأولى جهداً زائداً لترقية الفنون الفلكلورية والتشكيل المعاصر. كذلك شجع العبقريات القومية. كذلك فإن المتبع للجهود الإدارية لمحمد عبد الحي قد يلحظ الاعتراف على نحو غير ضمني بـ multiculturalism .
-التعددية الثقافية التي اكدتها التجارب ابان الحقب التي تعاقبت على رحيل الشاعر. هو رحيل لم يكن لينتظر ولايزال يبعث الحزن العميق. كذلك كان ما يشير إلى قبول الشاعر بما يعرف بـ Transculturalism ما بررت عبر الثقافات. كذلك يمكن التعرف على جهود عبد الحي الهادفة لزيادة الإدراك بدور الثقافة في التنمية الوطنية.
تشير الرقة والتواضع الجم الذي تميز به د. محمد عبد الحي إلى أنه آثر ان تدار التعددية الثقافية ديمقراطياً، ولهذا كان التسلط والقهر السياسيين اللذين كانا أهم سماتين للحكم السياسي في السودان، كانا اكبر تحد لسياسة الشاعر في مجال الإدارة الثقافية، وإبان تولي الشاعر إدارة الثقافة كل الوجهة الرئيسية للساسة والحكام السودانيين تقوم:
-إدعاء الـ Homogeneity (التجانس) الثقافي في السودان وإدعاء لا تسنده حقائق العيش أو واقع البلاد العرقي والثقافي ...الخ إلا ان الأنظمة الحاكمة حاولت تحقيقها عبر القهر السياسي والحربي.
-وطوال الحقب التي تلت كان إدعاء التجانس يوفر الديناميكية لمحاولات القهر والإخضاع لمختلف الإنتماءات العرقية والثقافية.
-فرض الإقصاء والعزل لقطاعات سكانية أو مواطنين بهدف تحقيق قدراً من التجانس أو انقاص مقاومتهم.
لم يطل العمر بـ د. محمد عبد الحي حتى يقف إلى حقيقة التعسف السوداني في معالجة الأمور الثقافية وحتى المجتمعية فقد أدى الجنوح والهوس الديني إلى قهر فعال للمجتمع والثقافة والحياة ولا يزال الأمر حتى الآن على حاله. وعلى الرغم من سعة ثقافته وتجربته الإنسانية والأدبية إلا انه اعتقد بوجود ثقافيين في السودان. ولم يقدر على إدراك حقيقة أن السودان في واقع الحال كان ومايزال اتحاد ثقافات وان النجاح في إدارة تعدديته الثقافية يتطلب سياسات ديمقراطية الطابع والمحتوى تؤمن بالتصالح أو التوافق بين الثقافات.
يجيء دور التطرق لشاعرية وشعر صلاح احمد إبراهيم: ولابد أن تسجل بنص الجوانب الهامة لجهوده الأدبية والفكرية، إذ كان لهذا الشاعر وعي أكبر لأهمية الثقافة الأخرى (الثقافات غير العربية)، إذ ترجم بعض أدب الدينكا وأشار إلى البجة وثقافتهم. كذلك اهتم الشاعر بالوقوف على الروابط والتفاعل فيما بين مختلف الثقافات السودانية. وكان أول من قاسى نتيجة وقوع الإنقسام الكلاسيكي بين ما هو ملزم سياسياً وما هو إبداعي (فني وجمالي). كذلك في حالة صلاح أحمد إبراهيم تأرجح شعره بين ما هو سياسي (معني بالشأن السياسي) وبين ما هو فني وجمالي. ولم يقتصر جهده على نظم الشعر بل امتد للقصة القصيرة وإلى المقالة الفكرية وترجمة بعض الإنتاج الأدبي العالمي، ونتيجة لاتساع إدراكه لواقع الأدب السوداني في عصره أحس بضرورات عاجلة وهامة للنهوض بالشعر السوداني وشمل ذلك ما يلي:
-ضرورة إعادة النظر على نحو جاد في الأشكال الشعرية تحت تأثير ما هو معاصر من شعر إقليمي (عربي أو افريقي) أو عالمي، الأمريكي، الإنكليزي والفرنسي المعاصرين.
-توسيع محتوى الشعر السوداني بحيث يمكن أن يوفر المتعة، المفاجات وعوامل الإدهاش والتشويق وأن يثير الاهتمام لدى الاشخاص.
-الإرتقاء بالخيال الشعري وأن تتوفر له إمكانية الغوص في أعماق الحكمة.
هذه هي بعض الجهود التي بذلها صلاح أحمد إبراهيم لتأسيس الملامح الرئيسية لحركة الشعر السوداني خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وإبان المراحل الباكرة من شاعريته وشعره لم يهتم الشاعر بغير قضايا تحديث وإطلاق الشعر وكذلك إبان تلك الفترة ضعف اهتمامه وكذلك ارتباطه بالتراث الثقافي (ارتباط الشعر المعاصر بالشعر العرا إسلامي التاريخي) وسوف نرى في مراحل متأخرة اهتماماً متزايداً بالتراث الثقافي العرا إسلامي (المقدمة التي دبجتها عبد الله الطيب المجذوب لأحد دواوين الشاعر والتقارب بين الشاعر وهذا العالم بأدب العرب وتراث الإسلام).
وتكمن أهمية الجهود الباكرة لصلاح أحمد إبراهيم في القرارات التي اتخذها في الأشكال الشعرية التي رأى نظمها بغرض التحديث للشعر والتجديد فيه، ومن بين أهم القرارات ما يلي:
-أراد صلاح تحرير الشعر السوداني المعاصر من الـ musicality (اللحنية أو الغنائية). وكان الشاعر يعتقد بأنه يجب ان يكون الشعر السوداني حراً شأنه شأن الشعر العالمي الذي بدأ في التحرر منذ عهد قصائد النثر لبودلبير.
-كان من رأي صلاح أحمد إبراهيم أن القصيدة الشعرية يجب أن تخلق الشكل الشعري الخاص بها وأن يحكم خلق شكل الشعر هذا بمحتوى القصيدة ذاتها.
-حبذا الشاعر الحداثة الشعرية العالمية إلا أنه امتنع عن الدعوة للتخلص من تقاليد الشعر السوداني وكذلك لم يدع للتخلي عن التقاليد الثقافية السودانية.
والشيء الوحيد الذي تخلى عنه صلاح أحمد إبراهيم هو Sudanese Lyrical Tradition .
-أي الغنائية التي كانت طابع كافة أنواع الشعر السوداني وهي تقاليد حوفظ عليها في شعر الغناء والمدائح الدينية.
لقد لقي شعر صلاح أحمد إبراهيم بعض الشهرة. وكذلك على الرغم من محاولاته القصصية ومقالاته الفكرية والأدبية فقد عرفت شاعريته ووسط المتعلمين السودانيين. ولقيت أنشودة الطير المهاجر، وحدها طريقها إلى قلوب عامة السودانيين. لقد عرف أدب صلاح أحمد إبراهيم في إطار نخبوي وحتى وسط النخبة لا يشار إلى شعره بل خصومته السياسية والفكرية. وأهم تلك الخصومات جداله على صفحات الصحف مع عمر مصطفى المكي وهو ناشط سياسي وصحفي وأديب كانت له مقدرة هائلة في النقد الفني، إلا أن الجدال بين الشاعر وهذا الأديب لم يكن بصدد صدور ديوان غضبة الهبباي، بل كان بسبب مقدمة الديوان وبعض الهجاء لقادة سياسيين للماركسية السودانية، وقد أهمل الجدال وكذلك أهملت مقدمة الديوان المسائل الأدبية الهامة التي طرحها صدور الديوان ومن أهمها مسألة تحرير الشعر من الغنائية كذلك من بعض القيود العروضية. وإذا ما كان لابد من التطرق إلى خصائص ذلك الجدال فلابد من الإشارة إلى ما يلي:
-لم يدر الجدال حول الأشعار (غضبة الهبباي) وبالتالي لم يكن ليسهم من تقدم الشعر أو إيضاح قضايا الشعر.
-كان الجدل بشأن الآثار السياسية والشعرية لمحمد عبد الرحمن شيبون والذي كانت قصة انتحاره المأساوي مثيرة للاهتمام والفضول وأثار اتهامات بالتآمر والكيد وهذا مرده إلى الاستقطاب حول الامر.
-حقاً كانت معركة هادفة إلى إثارة الغضب والتحريض سياسياً وليس أدبياً وكان هذا هو الشاهد عليها وما فعلته في الحياة العامة في الأدب السوداني. ومما يدعم مثل هذا الإنطباع ما يلي:
-لم يكن أحد المقالات التي دبجت في هذا الشأن ليمثل نقاشاً منهجياً للأعمال الأدبية.
-لم يتطرق ذاك الجدال إلى جودة أو عدم جودة وخصائص الأعمال الشعرية سواء أعادت إلى صلاح أحمد إبراهيم أو إلى شيبون.
-لا يعدو كل واحد من المتجادلين (سواء صلاح أم عمر مصطفى) فهو أكثر من Partisan Journalists صحافيان محازيان وبهذه صفة كانا يتعرضان للمشكلات الأدبية وفقاً للعواطف السياسية لقطاعات سودانية كان الامر يعنيها.
وبعيداً عن الجدال السياسي وعودة للمشكلات الادبية كان لصلاح أحمد إبراهيم إنتاجه الشعري، غابة الأبنوس 1959 وغضبة الهبباي 1965، نحن والردى ومحاكمة الشاعر للسلطان الجائر. وإلى جانب النظم الشعري كان هنالك جهده الدؤوب والواسع لتطوير المعرفة الشعرية في السودان.
كان لصلاح أحمد إبراهيم الدراسة العليا في مجال الآداب ومعرفته الواسعة باللغة الإنكليزية، وإطلاعه الواسع على على الآداب العالمية. وعلى الرغم من عدم متابعته برامج تعليمية بالآداب الكلاسيكية (ثقافة وآداب اليونان وروما القديمتين) إلا أن أشعاره مثال (قصيدة يا مريا) التي دلت على معرفة واسعة بالآداب الكلاسيكية كذلك كان لصلاح أحمد إبراهيم الإدراك الواسع بحقيقة ان الأدب الكلاسيكي فيه جودة وامتياز ومنه تعلم الشاعر أن جودة النظم هي سر مقدرة الشعر على طول البقاء أو لربما الخلود. كذلك اطلع الشاعر على حقيقة أن الشعر الكلاسيكي كان مسرحياً وفيه حالات عمرت بالإثارة وكان مفعماً بالحركة والشعر (ينطبق هذا على القصيدة، الملحمة والأنشودة جميعها). ونقل صلاح أحمد إبراهيم معرفته بالآداب الكلاسيكية (الآداب اليونانية والرومانية في بحر التاريخ) نقل هذه المعرفة إلى الآدب السوداني. ولم تقتصر معرفة الشاعر بالآداب الأوربية على القديم منها بل عرف كذلك ما يعد كلاسيكياً من الشعرين الإنكليزي والفرنسي المعاصر.. ما يشار إليه 'Classical Poems' . وهدف الشاعر من توسيع مداركه إلى خلق Lyrical styles أساليب شعرية تعبر عن أفكاره وعواطفه وكذلك هدف إلى التوصل إلى Standard vernacular لهجة قياسية للشعر السوداني. وكان شعره الذي نظم تحت تأثير الآداب العالمية يتوق إلى قيم طوباوية وسعى إلى اكتشاف ذاته ومقدراته سعياً لتطوير الشعر السوداني.
كان لصلاح أحمد إبراهيم وعيه التام بارتباط السودان بحركة التحرر العالمي والوحدة الافريقية وعني شعره بمشكلات التحرر الأفريقي وبضرورات التضامن الافريقي واضحى بحكم هذا وكذلك بحكم تواجده في غانا نكروما ومعرفته بالشعر الأفرو أمريكي أو بشعر الزنوجة لقد عرف بـ Claude Mackay وأعماله الشعرية المعروفة بـ Tropics in New York وبشعر James Balduin وكذلك كانت بعض أشعار صلاح أحمد إبراهيم تهدف إلى ما يلي:
-دحض الرواية الاستعمارية بشأن ماضي افريقيا وايجاد عوضاً عنها سردية افريقانية.
-إعادة صياغة تاريخ العبودية والاستعمار من وجهة نظر الشعوب المقهورة.
-لقد انغمس ذاك الشعر في ما عرف بـ Politics of postcoloniality وكانت الرابطة مع ما بعد الاستعمار هي التقاليد الشعرية في افريقيا السوداء وكذلك في الولايات المتحدة.
-إذكاء شعور بالهوية المغايرة (الأفريقية أو هوية الملونين أو الزنوجة) والتعبير عن وعي الشعوب ذوي البشرة الملونة وكذلك التعبير عن الفخر بالإنتماء للعرق الزنجي والاحتفاء بسواد البشرة. وبفعل كل هذا بغرض هدم ودحض كافة السرديات العائدة إلى عهود الخنوع والاستسلام لهيمنة الرجل الأبيض أو للسيطرة الاستعمارية. كذلك هدف الشعراء إلى ايجاد سرديات بديلة مناهضة لهيمنة الجنس الأبيض وإعلاءاً لشأن الرجل الأسود. وعند نهوضهم بهذه المهام كان الشعراء يتعهدون بتعابير شعرية قوية ومكثفة. Intensive Poetic Utterance ونسبة للانشغال بقضايا ما بعد الكولوانيلجية صعب على مثل هؤلاء الشعراء نظم الكثير من شعر الحب أو الطبيعة، إلا أن حصيلة شعر ما بعد الكولينالية post colonial poetry هي قيام الشعراء الذين نظموه باعادة النظر بشيء من العمق في شأن الأشكال الشعرية وموضوعات الشعر على نحو يعبر عن تطلعات مجتمعاتهم السوداء (الأفرو أمريكية والافريقية).
وفي السودان تحت تأثير الـ post colonial poetry تنوعت إسهامات صلاح أحمد إبراهيم في ترقية الشعر السوداني ابان النصف الأخير من القرن العشرين وشمل ذلك ما يلي:
-تنويع وتعدد الموضوعات الشعرية ومن بين هذه المجتمع، الحياة، الموت، السلم والحرب، الحب والشباب، الأحداث القومية، البيئة الطبيعية، العوائق والنكبات والصعاب التي تعترض الحياة في السودان.
-تنويع طابع مختلف أشعاره، وأضفت عناوين القصائد واختلاف طابع كل واحدة منها، جعل هذا النوع أشعاره أن تكون مباشرة وكذلك جعلها آسرة (تخلب اللب) ومتلاعبه وعامرة بالصور الشعرية المختلفة (قد يكون مروعاً) وعمرت أشعاره بعواطف جياشة خاصة أشعاره التي عنت بالشئون العامة وتلك السياسية.
-احتوت أشعاره بالملاحظة الدقيقة فيما يتعلق بالشئون الاجتماعية وكانت فيها حصافة ودهاءاً وظرفاً وكان خياله الشعري متمرداً وجموحاً. وهذا ما جعل أشعاره قادرة على ترك أبعد الأثر على محبي الشعر في السودان.
ومن بين كافة إنجازات صلاح أحمد إبراهيم يجب أن يمنح الاهتمام الأوسع لتنويع موضوعات الشعر لأن هذا الأمر يمكن من الوقوف على اهمية موضوع الشعر فيما يتعلق بشعر صلاح أحمد إبراهيم:-
-أوضحت كافة الموضوعات الشعرية عمق ارتباط الشاعر بالسودان وقضايا أهله.
-كان طرح الموضوعات دالاً على وعي كبير بالمسائل التي عولجت في أشعاره وأوضحت مقاصد شعره.
-يمكن إرجاع قوة جذب أشعاره والتشويق فيها إلى إدراك الشاعر لواقع السودان وتجاربه ابان القرن الماضي.
-وفرت هذه الموضوعات للشاعر إمكانية التعبير عن كافة عواطفه وابانة عمقها وجعل موضوعاته مغرية ومثيرة للاهتمام.
-اعتمدت المهارات الشعرية وجودة أشعاره على ما اختاره من موضوعات شعرية.
-جرى اختيار الموضوعات بناءاً على تمييز دقيق وكان فيه ذكاء وحصافة شعرية، وجعل هذا الكثير من القصائد تستحق الذكر والإشادة.
لقد كان صلاح أحمد إبراهيم متعلماً ومثقفاً وشاعر وقف على العديد من مشكلات العصر الحديث، العرقية ethnicity، أهمية الآداب الكلاسيكية قديماً والمحدث منها في بريطانيا وفرنسا، classicism and classical poetry وقف على المواقف الأكاديمية بشأن المشكلات العالمية، تعرف على القضايا الأخلاقية التي اعترضت العالم المعاصر وكان له الدراية العميقة بالتطورات العلمية والتكنولوجية، ونجم عن هذه المعرفة informed verse شعراً متنوراً عمر بالأحاسيس والجمال اللفظي واستخدم إشارات ضمنية كذلك إلى شخصيات واحداثة من الأساطير الاغريقية والرومانية القديمة في معالجة الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في النصف الثاني من القرن العشرين وعبر عن تطلعات المجتمع السوداني على ضوء الأوضاع التي ولدها النضال ضد الاستعمار والوعي بما بعد الكونالينالية في مجال (الفكر والثقافة والأدب).
هذه هي بعض الجوانب الهامة من شاعرية المرحوم صلاح أحمد إبراهيم وجرى التركيز عليها على الرغم من توفر جهود أدبية أخرى له مثل القصة القصيرة والمقالات الفكرية والنقدية. وحقاً كانت تلك شاعرية هامة لم يمنع أخذها في الاعتبار جدال بشأن المشكلات السياسية، فقد أحنى كثير من المثقفين هاماتهم أمام تلك الشاعرية.
وقبل أن نختتم هذا العرض للتاريخ الأدبي للشعر السوداني ابان النصف الثاني من القرن الماضي، نعود مرة أخرى لنلقي نظرة أخيرة للحركة الشعرية التي كان على رأسها المرحومان محمد عبد الحي وصلاح أحمد إبراهيم، ويدل التدقيق في أشعارهما على اختلاف نهج نظم كل واحد منها وتباين موضوعاتها، إلا أنه يمكن من الإشارة على خصائص مجملة ومشتركة ومن بينها:
-تميزت تلك الأشعار بالاختبارات لأن كل واحد من الشاعرين لم يكن يرغب في أن يتقيد بالأشكال الشعرية التقليدية وكذلك أراد أي من الشاعرين أن يعبر شعرياً بدون تقييد صارم بالقواعد العروضية أو بحسب المقاطع أو أن ينظم عدداً محدداً من الأبيات الشعرية. وحدث هذا بدون القذف بعيداً بالأشكال الشعرية التقليدية بل رغب كل شاعر في الولوج إلى ما بعدها.
-كانت هنالك فردانية (individualism) محمد عبد الحي وتلك الخاصة بصلاح أحمد إبراهيم، وقد تزامنت هذه الفردانية مع رفض القواعد التقليدية بشكل الشعر والتي كانت مقيدة إلى حد كبير، لقد شعر كل واحد من الشاعرين بحرية التعبير على النحو الذي أراده كل واحد منهما لم يقلقه فهم أو غموض فحوى ما نظم من أبيات شعرية مفردة بل عني هذان الشاعران بإنتاج سيل من النظم الشعري القادر على إنتاج وعي فكر وإدراك ثقافي.
-لقد فارق شعر كل من صلاح أحمد إبراهيم الدافعية ولم يعرف عن شعر محمد عبد الحي بالارتباط الوثيق بها على أي نحو بيّن إلا أن شعر كل واحد منهما لم يكن caused أي عرضياً أو ثقافياً أو خالياً من القصد وكذلك لم يكن محايداً non-committal أو غير عابئاً بالشعر العام، وذلك على الرغم من الدرجة العالية من التجريبية والتي هدفت إلى الإرتقاء بخبرات كل واحد من الشاعرين فيما يتعلق بالأشكال الشعرية وكذلك فيما يتعلق بتقاليد الشعر.
-كانت أشعار محمد عبد الحي وكذلك أشعار صلاح أحمد إبراهيم من نوع الـ imagery poems شعر التخيلات وشعر لغة مجازية وهي أشعار تجذب محب الشعر أو المستمع اليه داخل التجربة الشعرية وتؤكد على اللغة المجازية إلى جانب المشاعر والأحاسيس التي يألفها الجمهور السوداني.
وتبعاً لمجمل هذه الثلاث خصال علقت بذاكرة الشعر السوداني التجربة الشعرية لكل من محمد عبد الحي و صلاح أحمد إبراهيم التي انتمت إلى شعر نهايات القرن الماضي، وأهم مساهمة لها هي مضاعفة أثر الشعر السوداني المعاصر على وعي السودانيين المعاصرين.

ملاحظة:
هذه الدراسة جزء من كتاب ' شاعر الدهليز .. توفيق صالح جبريل' تحت الطبع (مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي).. إعداد: د. أحمد عكاشة والأستاذ عادل عثمان عوض جبريل.

*باحث في الفكر والثقافة السودانية لاهاي

http://www.alquds.

 

 

postheadericon أنت هنا الآن:

الصفحة الرئيسية تحت طائلة النصوص الشعر العربي في السودان
تـرجمــة المـوقــع
بحــث
تــرافيــــك
زيـــارات
تـابـعنـــــا عـلـــــى
  • Facebook: 317407718281722