postheadericon ثقافة الكراهية !! عبادة الموت والانتحار ..

الحانة السيكولوجية

ثقافة الكراهية !!

عبادة الموت والانتحار 

صادق باخان

 

 

يقوم فكر تنظيم القاعدة الارهابي وجميع المجاميع المتطرفة التي تم تصنيفها تحت مظلة الاسلام السياسي لمجرد منح غطاء شرعي مزيف لوجودها على كراهية الغرب والحداثة والديمقراطية والليبرالية وانه بالمقابل تمجد فكرة عبادة الموت والانتحار ولا تؤمن بالحوار بين الثقافات والحضارات وانما تسعى لنشر ثقافة الكراهية والانتقام والقتل بدم بارد وتصف ثورة المعلومات والحداثة وما بعد الحداثة بالعصر الجاهلي وتقف بالضد من ديالكتيك التاريخ وتدفع العالم  ليعيش جنونا ميتافيزيقيا لا يتغير كالصخرة الراسخة.

وضمن هذا المناخ تواجه الباحث اشكالية اخلاقية وفلسفية وهو يرى فكرة الانتحار بالاحزمة الناسفة تعبر الحدود العراقية ويعتنقها نمط معين من العراقيين بحجة (مقاومة الاحتلال الاميركي) قبل انسحاب القوات الاميركية في حين ان المعروف عن العراقي انه يعشق الحياة رغم كل العذابات التي قاسى منها في ظل النظام الصدامي الفاشي، فمن اين يا ترى جاءت فكرة عبادة الموت والانتحار؟

مؤتمر كويتو

عندما شن تنظيم القاعدة الهجوم على برجي المركز التجاري العالمي في مانهاتن قال اسامة بن لادن (لقد تم تدمير قيم الحضارة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الاميركية وان هذين البرجين الرمزين المرعبين اللذين يتحدثان عن الحرية وحقوق الانسان قد تم تدميرهما وتحويلهما الى دخان).

وعليه هل جاءت هجمات 11 ايلول 2001 من فراغ ام كانت هناك منظومة فكرية هيأت البيئة لشن الحرب على الغرب والحداثة ؟

نجد انه في تموز من العام 1942 وغداة مرور سبعة اشهر على قيام اليابانيين بشن هجوم انتحاري على طريقة كماكازي على الاسطول الاميركي في بيرل هاربر فقد اجتمع عدد من العلماء والمثقفين اليابانيين في مؤتمر عقد في مدينة كويتو وكان بعضهم ادباء ينتمون الى الجماعة الرومانتكية وكان اخرون فلاسفة ينتمون الى مدرسة كويتو للدراسات البوذية والهيغلية وكان الموضوع الذي جرت المناقشات بشأنه هو: كيف نتغلب على الحداثة ؟

تميز ذلك الزمن بالحماسة القومية وكان المثقفون الذين حضروا المؤتمر قوميين وكان احد الحاضرين وهو هاياشي فوساوا وهو ماركسي سابق قد تحول الى قومي متحمس يقول بان الهجوم على الغرب غمره بالابتهاج، وكان هؤلاء الادباء الرومانتكيون والفلاسفة يولون اهتماما صارخا بالتغلب على الحداثة قبيل حصول الهجوم على بيرل هاربر وقادتهم استنتاجاتهم الى نشر دعاية عن اقامة نظام اسيوي جديد بقيادة  يابانية.

ومما يجدر ذكره بان الحداثة في اية قضية مفهوم مراوغ وكانت الحداثة تعني في مدينة كويتو عام 1942 الغرب، ولكن لفظة الغرب تكاد تكون مراوغة ايضا كما الحداثة وكان لدى المثقفين اليابانيين مشاعر قوية بشأن ما كانوا يعادونه لكنهم كانوا يواجهون في الوقت ذاته مشقة في تحديد ما كانوا يقفون ضده ويعادونه.

مرض انتقلت عدواه الى الروح اليابانية

اعتقد واحد من هؤلاء المثقفين بان التغرب (بمعنى التأثر بالثقافة الغربية) اشبه بمرض انتقلت عدواه الى الروح اليابانية وقال اخر بان (فكرة الحداثة) هي (فكرة اوروبية) وجرى حديث مطول حول التخصص غير الصحي في المعرفة التي مزقت الثقافة الشرقية الروحية وحمّلوا العلم مسؤولية ذلك كما القوا باللائمة على الرأسمالية وعلى قيام المجتمع الياباني بامتصاص التكنولوجيا الحديثة وافكار الحريات الفردية والديمقراطية وبحسب رأيهم كان ينبغي التغلب على هذه الجوانب جميعا.

والى جانب ذلك فقد شجب ناقد سينمائي افلام هوليود واشاد بالافلام الوثائقية للمخرج النازي ليني رافيتسال عن الحشود النازية التي كانت متناغمة مع  افكاره حول كيفية صياغة مجتمع قومي قوي، فالحرب، بحسب رأيه، ضد الغرب هي حرب على الحضارة المادية المسمومة بنيت على (السلطة الرأسمالية اليهودية) وبذلك اتفق الجميع على ان الثقافة اليابانية التقليدية تعد ثقافة روحية عميقة في حين ان الحضارة الغربية الحديثة هي سطحية وعديمة الجذور ومدمرة للقوة الابداعية، وراوا بان الغرب ممثلا بالولايات المتحدة الاميركية هي ميكانيكية باردة وبان ثقافة شرقية روحية تقليدية متحدة تحت  الحكم الامبراطوري الياباني سوف تستعيد المجتمع المتناسق الدافئ للعافية الروحية، وقال احد المشاركين في المؤتمر بان النضال هو بين الدم الياباني والعقل الغربي، وهذه فكرة فاشية لا  ريب فيه.

كان الغرب بالنسبة للاسيوين في ذلك الزمن ربما ما يزال الى يومنا هذا يعني الاستعمار وادرك المثقفون اليابانيون منذ القرن التاسع عشر عندما اهينت الصين في حرب الافيون بان البقاء القومي يعتمد على دراسة دقيقة وعلى منافسة الافكار والتكنولوجيا التي منحت للقوى الاستعمارية الغربية منافعها ولذلك وجدنا الشعار البارز لحقبة حكم  الميجي الذي امتد من العام 1866 الى العام 1912 هو الحضارة والتنوير، بمعنى الحضارة والتنوير الغربين.

انتصار للمادية الغربية على الروح الاسيوية

يلاحظ بهذا الشان ان كل ما هو غربي من  العلوم الطبيعية الى الواقعية الادبية قد امتصها بنهم المثقفون اليابانيون، فالملابس الاوروبية والقانون الدستوري البروسي والاستراتيجيات البحرية البريطانية والفلسفة الالمانية والسينما الاميركية والمعمار الفرنسي قد  استولى اليابانيون عليها وراحوا يكيفونها لتلائم اوضاعهم.

ومثل هذا التحول انتج بالتأكيد منافع بصورة سخية مما جعلت اليابان تبقى غير مستعمرة (بفتح الميم) وبالتالي سرعان ما غدت قوة عظمى تمكنت من ان نلحق الهزيمة بروسيا عام 1905 مما دفع بالروائي تولستوي الى ان يصف الانتصار الياباني بوصفه انتصارا للمادية الغربية على الروح الاسيوية الروسية، ومع ذلك حصلت خسارات، فالثورة الصناعية اليابانية التي اعقبت الثورة الصناعية الالمانية كانت لها تأثيرات مشوشة منها ان اعدادا هائلة من القرويين الفقراء نزحوا الى المدن حيث الظروف القاسية فاصبح الجيش ملاذا قاسيا لهؤلاء القرويين الشباب اضطروا الى بيع اخواتهن لمواخير المدن الكبيرة، وكان ثمة سبب اخر للعديد من المثقفين اليابانيين سعوا به الى تفكيك التغرب بالجملة لاواخر القرن التاسع عشر وبدا الامر كما لو ان اليابان كانت تعاني سوء الهضم الثقافي ويبدو ان الحضارة الغربية قد تم ابتلاعها بسرعة كبيرة مما جعل المثقفون الذي اجتمعوا في مدينة كويتو الى تحريك التاريخ بالاتجاه المعاكس  ومع انهم كانوا معاصرين فقد عادوا في الوقت ذاته الى ذلك الماضي الروحي المثالي.

ويشار الى ان كراهية كل شيء له صلة بالعالم الغربي ممثلا بالولايات المتحدة الاميركية ظلت قوية رغم انها لم تعد اساسية في اليابان وانما اخذت تجذب الجماعات  التكفيرية المتطرفة التي تولت تحويلها الى ايديولوجيا معادية للغرب تصور بها الولايات المتحدة الاميركية بوصفها (الشيطان المجسد) كما ان هذه الكراهية يشترك فيها القوميون الشوفينيون في اجزاء واسعة من العالم اللاغربي.

وبطبيعة الحال ان لدى مختلف  الشعوب اسبابا متباينة لكراهية الغرب بحيث لا يمكننا ان نجمع من دون تميز اعداء الامبريالية الاميركية مع الجماعات التكفيرية المتطرفة وقد يكره كلتا المجموعتين الانتشار العولمي للثقافة الاميركية وقوتها المشتركة ولكن اهدافها السياسية لا يمكن مقارنتها بطريقة مفيدة، وعلى هذا النحو فالشعراء الرومانسيون قد يتوقون الى اركادية رعوية وهي موطن مسرة وسكينة وبالتالي يمقتون المدينة التجارية الحديثة ولكن هذا لا يعني بان لديهم اي شيء مشترك مع الجماعات التكفيرية والارهابية التي تسعى لاقامة ما تسميه (مملكة الله على الارض) من دون ان تعرف هذه الجماعات الغارقة في الجهل والضلالة والبعيدة عن الايمان الصحيح بان افلاطون  والفارابي وتوماس مور فشلوا في اقامة المدينة الفاضلة.

كراهية الملامح :

ونرى ان النفور من بعض الملامح الغربية الحديثة او كراهية الملامح على  وجه التخصيص فان الثقافة يشترك فيها الكثيرون ولكن  هذه نادرا ما يتم ترجمته الى عنف ثوري اذ تصبح اعراض هذه الكراهية مثار اهتمام فقط عندما يتم تطويرها لتصبح وباءا كاملا، وهكذا فان عدم الاعجاب بالثقافة الشعبية الغربية وبالرأسمالية العالمية والسياسة الخارجية الاميركية لا يمثل لحظة عظيمة وانما الرغبة في شن الحرب على الغرب هي التي تمثل لحظة عظيمة لهذا  السبب.

ان الصورة التي تجرد الانسان من (صفاته الانسانية) التي رسمها عنه اعداؤه وهو ما يسمى ثقافة الشعوب الغربية او سماتها المميزةOccidemtilism ، وبشان هذه الثقافة فقد ارتكبت حالات شنيعة في العالم الاسلامي لكن هذه الثقافة لا يمكن اختصارها الى مرض شرق اوسطي اكثر مما نعزوها الى مرض ياباني يعود تاريخه الى اكثر من ستين سنة مضت، وبالحقيقة فان الثقافة الغربية وسماتها المميزة مثل الراسمالية والماركسية وبقية المذاهب المعاصرة قد نشات في الغرب وكان الغرب مصدرا لعصر التنوير وفروعه من الليبرالية والعلمانية، ولتوضيح القرينة التاريخية للحداثة الغربية وصورتها الكاريكاتيرية البغيضة فالثقافة الغربية بكل سماتها المميزة ليست مسالة بسيطة مثلما اظهرت المجادلات التي دارت بين المثقفين اليابانيين في مدينة كويتو، فنجد الفيلسوف الياباني كيجي قد لام الاصلاح الديني وعصر النهضة وظهور العلوم الطبيعية لانها وحدت ثقافة روحية موحدة في اوروبا وهذا ما يؤدي الى جوهر الثقافة الغربية بكل سماتها المميزة ويقال في الغالب ان واحدة من المميزات الاساسية القائمة بين الغرب الحداثي والعالم الاسلامي تتجلى بفصل الكنيسة عن الدولة، وبالنسبة لمسلم ورع فالسياسة والاقتصاد والعلم والدين لا يمكن فصلها الى اصناف منفصلة، لكن ذلك الفيلسوف في مؤتمر كويتو لم يكن مسلما وان مثله الاعلى كان يتجه الى بناء دولة تشكل السياسة والدين من خلالها دولة كاملة غير منشقة وبان الكنيسة كما كانت عليه تندمج مع الدولة وكانت هذه الكنيسة في اليابان في اثناء زمن الحرب هي دولة شنتو وهي ابتكار حديث قائمة على تقليد ياباني قديم اكثر من قيامها على تفسير للغرب ما قبل الحداثة، وحاول اليابانيون اعادة ابتكار فكرة مشوهة عن اوروبا المسيحية عن طريق تحويل دولة شنتو الى كنيسة  مسيسة ومثل هذا النمط من السياسة الروحية موجود في جميع اشكال الثقافة الغربية بكل سماتها المميزة من مدينة كويتو في ثلاثينيات القرن الماضي الى طهران في سبعينيات القرن نفسه كما انه عنصر جوهري للنظام التوتوليتاري ومن ذلك نجد كل مؤسسة في الرايخ الثالث في ظل النازية الهتلرية، من الكنائس الى فروع العلم للجامعات كان يجب جعلها تتطابق مع الرؤيا الشمولية.

جذر الشر الحديث

نرى ان بقية المشاركين في مؤتمر كويتو لم يذهبوا ابعد من الاصلاح او عصر التنوير وانما اشاروا الى قيام التصنيع والراسمالية والليبرالية الاقتصادية في القرن التاسع عشر بوصفها تشكل جذر الشر الحديث وتحدثوا بلغة رهيبة عن (حضارة الماكنة) وعن (الثقافة الاميركية) وجادل بعضهم بان اوروبا واليابان مع ثقافتهما القديمة ينبغي لهما اقامة حركة مشتركة ضد (الفساد الهدام للثقافة الاميركية) ويلاحظ ان مثل هذا الحديث سقط فوق ارض خصبة في بعض اجزاء اوروبا فنجد الفيوهرر ادولف هتلر مثلا كان من رايه بان (الحضارة الاميركية ذات طبيعة ميكانيكية محضة ومن دون المككنة فان اميركا سوف تتفسخ اكثر من تفسخ الهند).

ون كل هذا يبدو واضحا بان معاداة الغرب والحداثة لم تكن مقصورة على القوميين اليابانيين المشبعين بروح الساموراي والنازيين بل يمكن القول بان كراهية الغرب انتقلت الى طالبان وتنظيم القاعدة وبقية الجماعات المتطرفة الغارقة في الفكر الظلامي التي تصدر الفتاوي تحرض بها على  القتل والترويع وتشر الفتنة الطائفية ونسيت ما جاء في القران الكريم (انا خلقناكم شعوبا وقبائل للتعارفوا وان اكرمكم عند الله اتقاكم).

بين حب البيبسي كولا وحب الموت

وبخصوص حب الموت اذكر انه خلال الاسبوع الاول من الحرب في افغانستان اجرى مراسل بريطاني لقاءا مع مقاتل من طالبان على الحدود الباكستانية فقال هذا المقاتل للصحفي البريطاني بان (الاميركيين لن ينتصروا علينا لانهم يحبون شرب البيبسي كولا في حين اننا نحب الموت).

ومثل هذا الكلام يذكرنا بما قاله الاستراتيجيون العسكريون اليابانيون بان الهزيمة ستلحق بالولايات المتحدة الاميركية عن طريق استعمال الهجمات الانتحارية المعروفة باسم كماكازي وطلبوا من الطيارين الشباب ان يحتضنوا الموت بوصفه تضحية مقدسة.

ومن هذا يتبين بان لغة عبادة الموت استغلها زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن فاخذ يدعو اتباعه الى اعتناق روح العمليات الانتحارية فنجد في مقابلة اجريت معه في العام 1996 عقب مرور شهرين على مهاجمة ابراج الخبر في المملكة العربية السعودية ادى الى مقتل 19 جنديا اميركيا قال ابن لادن (لقد تحول جيش الصليبيين الى رماد عندما قمنا بتفجير الخبر واذا ما هدد الموت شبابنا فانهم يقولون- ان موتي انتصار).

هذا باختصار قصة معاداة الغرب والحداثة تلغي الجماعات المتطرفة الحوار والعقلانية وقد ابتلي العراق غداة التغيير السياسي الذي جرى في العام 2003 بهذه الجماعات التي تزرع الموت والدمار وتحصد ارواح الابرياء من العراقيين من دون ان تكون لهذه الجماعات منظومة فكرية تقوم على قاعدة فلسفية تنويرية سوى اعتمادها على قاعدة القتل والتخريب ونشر افكار ميتافيزيقية تغسل بها عقول الشباب المغيبين عن الوعي.

 

 

 

 

http://www.altaakhipress.

 

postheadericon أنت هنا الآن:

الصفحة الرئيسية الحانة السيكولوجية ثقافة الكراهية !! عبادة الموت والانتحار ..
تـرجمــة المـوقــع
بحــث
تــرافيــــك
زيـــارات
تـابـعنـــــا عـلـــــى
  • Facebook: 317407718281722